محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

21

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

من ظاهرة الوحي » ، كيف أن إمكانية حصول الوحي الإلهي كانت قد نوقشت بقوة هائجة ورفضت وأنكرت من قبل مجموعات معارضة عديدة في مكّة ( يجد القارئ نص هذه الدراسة في الفصل الثاني من كتابنا هذا ) . إن هذه الحقيقة الاجتماعية والسياسية والثقافية قد خلعت عليها الصبغة اللاهوتية فورا وحوّلت من قبل الخطاب القرآني إلى موضوع للمماحكة الجدالية بين فئة المؤمنين الأوائل الصغيرة العدد ، وبين الكفّار الذين جحدوا اللّه ومبادرته الكريمة . على هذا المستوى التاريخي ، نلاحظ أن الخطاب القرآني قد صيغ ( أو ركّب ) لغويا بصفته جهدا ذاتيا مبذولا لرفع نفسه إلى مستوى كلمة اللّه الموحى بها . هذا في حين أن المعارضين المكيّين كانوا يرفضونه بوصفه كذبا ، أو اختراعا شيطانيا يرمي إلى تدمير التقاليد ، والعقائد ، والنظام الاجتماعي السائد . نحن نقول اليوم بأنه كلام ذو سلطة مشابهة لسلطة العديد من الأقوال الأخرى السابقة التي شهدتها منطقة الشرق الأدنى . كانت السيدة جاكلين شابيّ قد قامت بقراءة تاريخية منتظمة ودقيقة للخطاب القرآني ذاته ولم تأخذ بعين الاعتبار التفسيرات اللاحقة له ، أو التبحّر الأكاديمي الاستشراقي . ونتج عن ذلك كتاب مهمّ بعنوان : رب القبائل - إسلام محمد « * » . سوف نرى كيف أن هذه البدهية التاريخية المدعّمة من قبل التحليل الألسني والسيميائي للخطاب القرآني سوف تقودنا إلى صياغة المقترح التالي الاستكشافي ( أي القابل للأخذ أو الرد ) : ما كان قد قبل وعلّم وفسر وعيش عليه بصفته الوحي في السياقات اليهودية والمسيحية والإسلامية ينبغي أن يدرس أو يقارب منهجيا بصفته تركيبة اجتماعية لغوية مدعّمة من قبل العصبيات التاريخية المشتركة والإحساس بالانتماء إلى تاريخ النجاة المشترك لدى الجميع . سوف نخضع هذا المقترح الاستكشافي لجميع أشكال التحريّات أو التمحيصات الممكنة . ومنذ الآن سوف أفسّر لما ذا أنّ هذا المقترح الاستكشافي يعطي الأولوية للمقاربة المنهجية . وهذا يعني أننا سوف نعلّق أو نعطّل كل الأحكام اللاهوتية التي تقول بأن الخطاب القرآني يتجاوز التاريخ كليا إلى أن نكون قد وضّحنا كل المشاكل اللغوية ، والسيميائية ، والتاريخية ، والانتربولوجية التي أثارها القرآن كنصّ . قلت سوف أعلّق هذه الأحكام ، ولم أقل سوف أسقطها أو أتجاهلها أو أحذفها كما يفعل علماء الألسنيات

--> * . 1997 ، Noesis ، Paris ، Mahomet de tribus . LIsiam des Seigneur Le : Chabbi . Jacqueline هذا الكتاب يعتبر حدثا بالمعنى الحقيقي للكلمة . فهو يشكّل أكبر عملية أرخنة للنصّ القرآني حصلت حتى الآن . ونقصد بالأرخنة هنا الكشف عن تاريخية الخطاب القرآني عن طريق ربطه بالبيئة الجغرافية والطبيعية والبشرية - القبائلية لشبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي . ومعلوم أن الخطاب القرآني كان قد برع في التغطية على هذه التاريخية عن طريق ربط نفسه باستمرار بالتعالي الذي يتجاوز التاريخ الأرضي كليا أو يعلو عليه .